الرئيسية » كتاب البوابة » روايةحرائق المائة عام الحلقة 21و 22

روايةحرائق المائة عام الحلقة 21و 22

رواية للمبدع عبد الله عدالي الزياني
الحلقة 21و 22

و بدأت أغرف الخليط بيدي اللتين لا أذكر أنني غسلتهما في تلك السن. فجأة توقفت و اختطفت الصحن من بين رجليها و هتفت:
-صافي، غادي يشدك لوجع!
و بدأت ألحس أصابعي المتسخة. أكلت بجنون و لكنني لم أشبع. لم أناقشها فقد كانت ترقض النقاش و توقفه بنظرة قاسية يغلب فيها الخوف منها على الجدال معها. انتصبت واقفة حتى كاد رأسها يمس السقف الأسود. أمسكت المقراج و حركته لتتأكد من وجود الماء فيه. أمسكتني من قفاي و أحنتني إلى الأمام و بدأت تصب الماء على مؤخرتي و هي تمرر يدها بيت إليتيّ و تلتقط الحصى العالق بجلدي من أثر التراب الذي نظفتني به. سألتني إن كان الماء باردا. هششت رأسي علامة النفي، فبدأت تصبه على جسمي العاري حتى آخر قطرة. مدت حجرها و رفعته حتى انطشف سشاقاها الأعجفان، ملأته بالدقيق و حزمته. أمسكتني من يدي و همست بإصرار:
-يالله نمشيو من هنا، إلى شدونا يقتلونا.
تبعتها عاريا و غادرنا الدار. تناهت إلينا أصوات فلول هاربة و انطلقنا. همست أمي:
-لا سلطان و لا خبز و لا دار و لا رحمة من السما و لا في لارض، على من نعيطو و اشكون اللي يسمع؟؟
لقد صدقت أمي، ضاع الوطن و هذه الجحافل القادمة من وراء البحر بالنار و الدخان والانفجارات. لم يتوقف أحد ليلتفت و يتساءل، من هؤلاء الطالعون من موج البحر؟ و لم جاؤوا و لماذا لم يوقفهم أحد، لا أصحاب العمامات الخضر و لا الممتطين الجياد المطهمة؟ لم يتوقف أحد. لم نكن إلا نملا أو قطيع ماشية مرعوبة. الكل يجري و أنا و أمي نجري. الطحين المخلوط بالماء أعطانا قوة جديدة و الخوف خلق فينا قوة أكبر. الصراخ و الصياح و الجري استمر الليل كله. سبقنا الرعب إلى مداشر الشاوية و دواويرها، فخلت من سكانها. إلى أين يهرب الناس و أين يختفون؟ عندما لاح الفجر اختفت الأصوات و بدأنا نسمع نباح الكلاب و تراءت لنا مشاعل الكوانين في خيام ورديغة و أولاد عزوز. قال أمي و هي تتوقف:
-احنا قربنا من بني عمير.
لم أدر ماذا كانت تعني. برودة الفجر بدأت تتسرب إلى جسمي العاري و أحسست بالجفاف يتسرب إلى حلقي، مع ذلك لم نتوقف عن السير و لم أتوقف عن القفز وراءها. لم تٌُرد أن تتوقف إلا في حدود القبيلة، قبيلة بني عمير حيث تجد الأمان بين أهلها. لماذا هربت من أهلها الذين كانوا يملكون سلطة الموت و الحياة؟؟ لست أدري؟
اختفت آخر نجوم الفجر و لاح الصبح وضاحا يغسل بنوره تلك الهضاب الفاصلة بين ورديغة و بني عمير التي تتحول إلى مراعٍ من أرض عدن أيام العز و المطر، الكُديات. قرب دغل من نبات السدرة الحاد الأشواك. انهارت أمي بطولها كسارية و تمددت على الأرض المزروعة حصى و أشواكا. انحلت صرة الدقيق و طار غبارها على جسمي العاري و على وجهها. أُصبت بالرعب، هل ماتت أمي؟ الأرض كالحة مغطاة بالحصى و السدرة و نبات بعّاج النحل الذي تشبه أشواكه الإبر. لا شيء على مرمى الأفق إلا تلك المرتفعات الصماء الجافة القاحلة التي تتخللها سهول ضيقة و أخاديد عميقة و التي بدأت أمواج السراب تتراقص فيها مبكرا مع وصول أول أشعة الشمس الحارقة. كل شيء كان ملفوفا بالصمت. أحسسن أنني الطفل الوحيد على وجه الأرض. أمي ممددة على الحصى القاسي و هي جثة هامدة. انحنيت عليها و وضعت خدي على خدها البارز القاسي. فتحت عينيها ببطء و تثاقل و نظرت حولها يمينا و شمالا ثم جدبتني من عنقي و أسندتني على صدرها، فأحسست بصدرها المفلطح. و همست:
-انعس!
و غبت عن الدنيا. لست أدري كم مضى علينا من الزمن و نحن في غيبوبة أنا و أمي. فتحت عيني على شمس ساخنة مركزة أشعتها على وجهي. كنت ما زلت متكئا على صدرها و هي في شبه غيبوبة. تناهت إلى سمعي حوافر جياد مهرولة بصوت شبيه بخيالة قلعة مديونة. استويت جالسا و الخوف يتلبسني. لكزت أمي في كتفها و حركتها بكل قواي و أنا أهتف:
-أميّا، أميا!
استوت جالسة بسرعة، فقد كانت في حالة استنفار دائمة للأخطار. ألقت ببصرها في الاتجاه الذي كنت أحدق فيه. انتصبت واقفة و مدت يدها إلى الهدّونة البالية، لفّتها على جسمي العري و أمسكتني من معصمي بقوة و هتفت بصوت مرتعش:
-خيالة الحركة يا ربي! استرنا و احفظنا!
اقتربت منا فرقة الخيالة. كانوا حوالي العشرين، مرتدين سَلاهِمَ مختلفة الألوان تتطاير أجنحتها في الهواء بقوة جري الجياد. يلفون رؤوسهم بعمامات بيضاء عالية تبرز من جنباتها على الأذنين خصلات شعر سوداء و لحي طويلة، تختلف كثافتها من فارس لآخر. يرتدون بدعيات ملونة مشدودة بخيوط على صدورهم. يتسلحون ببنادق طويلة يضعون كعوبها على السروج المذهبة الخيوط و يرفعون فوهاتها إلى أعلى. يتمنطقون بخناجر فضية منقوشة القبضات. أحاطوا بنا على شكل دائرة و هم يحدقون فينا بصمت. ترجّل فارس شاب من بين الخيالة و هو يحدق في أمي و صاح:
-هاي هاي! هذي امباركة بنت عمي بوزكري.
و ارتمى عليها معانقا. و لأول مرة طفرت عينا أمي بالدموع و لكن دون بكاء. دموع قاسية كبيرة تساقطت على الأرض و لكنها لم تشهق أو تجهش. دفنت رأسها في كتف ابن عمها و هتفت:
-الما أولد عمي، الما.
كانت الظهيرة تغلي في الكُديات. حلقي جفّ بحيث لم أستطع أن أحرك لساني في فمي الذي لا ريق فيه. ترجل الخيالة و هم يرمون أطراف سلاهمهم على أكتافهم. تقدم رجل من أمي مادا إليها قربة الماء المصنوعة من جلد الماعز. ارتمت عليها بجنون و هي تضع فم القربة بين شفتيها لاهثة. شربت دون وعي حتى انتزع الرجل القربة من فمها قائلا:
-صافي، أ لالا رحمة! الما و الصهد يقتلك. و لكنها لم تترك القربة و استمرت قرقرة الماء بصوت مسموع حتى هجم عليها ابن عمها و انتزع القربة منها بالقوة. ارتمت على ظهرها و لم تتحرك لمدة. التفت إلي الرجل و انحنى علي حتى استوى بطولي. شد القربة تحت إبطه و أمسك فمها بيد و صب الماء في اليد الأخرى و اقترب قائلا:
-اشرب أولدي!
ارتشفت الماء من يده و هو يصبه قليلا قليلا. ثم توقف. لم أشبع و لكنني ارتويت و أحسست بلساني يعود إلى مكانه. أمي ما تزال مستلقية على ظهرها و هي تلهث بصوت مسموع. جلست بقربها و أنا ألفّ الهدّونة حول جسمي و أنظر إلى الرجال المحيطين بنا. كانوا منكسي الرؤوس مغبري الملابس. اثنان أو ثلاثة منهم يحاولون إخفاء بقع دم على صدورهم. استوت أمي جالسة و عيناها نصف مغمضتين. اقترب منها ابن عمها، جلس القرفصاء و أحاطها بذراعيه:
-امباركة، فين كنت أخاي؟ فين مشيتي؟ خوتك فتشو عليك الدنيا كلها، بني موسى، أولاد ادريس، اولاد عبد الله..فين كنتي؟
تنهدت أمي و قالت في صوت واهن:
-عيشة الشوك و لا ذل لعيالات.
لا أذكر تاريخ تيهنا أنا و أمي في التلال و السهول و الليل و النهار و الحر و البرد و الجوع و العطش و العري و العفن. شبعنا عنفا و إهانات و مطاردات بين النوايل و الخيام و الدواوير و المداشر. الضرب الذي تعرضت له و الخوف الذي كان لباسي ليل نهار و طعامي الأبدي. تلك أول مرة أركب فيها جوادا. كان أبيض اللون ببقع سوداء عريضة و عرف أبيض يتدلى على عنقه. أركبني ابن عمي أمامه و لف جسدي العاري بطرفي سلهامه الأبيض. ركبت أمي وراء أحد الفرسان و انطلقت الجياد راكضة في اتجاه قبيلة أمي، أولاد بوخدو. لما أشرفنا على الدوار مررنا على مقبرة سيدي بولقنادل بقبته البيضاء و القبور المتهدمة و الجديدة التي ما زال أصحابها حديثي الأموات. سمعت أمي تهمس:
-أنا في عارك أسيدي بولقنادل.
قال الفارس و هو ينحني علي مشيرا بيده إلى دار هائلة بأبراج شامخة:
-هذيك هي دار اخوالك.
لم أكن أتصور آنذاك أن تلك الدار الهائلة، دار أخوالي، ستكون جحيمي لسنين طويلة من العمر التعس. وسط الدوار، كانت هناك حلقة من النساء يقمن مأتما على ضحية من ضحايا حروب السيبة بين بني عمير و بني معدان. كانت الوجوه، وجوه النساء، مليئة بالدم و الندب و امرأة عارية الرأس تقود المندبة و يرتفع صوتها في الأعالي مع الغبار المتطاير:
من دمك، حتى الشمس تطلع بالدم
من دمك، حتى ام الربيع يجري بالدم
أصابني الرعب و أنا أرى أمي تقفز من على ظهر الجواد و تجري نحو النساء النادبات و تنخرط في الحلقة متمرغة في التراب ممزقة جلد وجهها بأظافرها الشبيهة بمخالب نسر. على من كانت تندب أمي؟ لست أدري.
******************************************
22

ربما أحد أقربائها أو ربما أحد سكان الدوار. قد تختلف قبائلنا في كل شيء و لكننا نتحد في الحزن و نجعل منه شيئا مشتركا. إن الحزن طقس من طقوس القبائل. ربما كانت تبكي قدرها و عذاباتها، هي سليلة الغنى و الدار الكبيرة.
يصهل الجواد في باحة الدار صهيلا يشبه الهمس. قطع أبي حكيه و هو يصيخ السمع و همس:
-العود كيحلم. حتى الخيل كتحلم. باش؟ الله أعلم! و لكن كتحلم. الخيل كتشبه الرجال، إلى عزتها تعزك و لا ذليتها تذلك! ينكس رأسه فس إعياء و يضع كفا على كف و يتنهد بصوت مسموع ثم يمد يده إلى الساعة بجانبه ليتحقق من ضبطها على توقيت صلاة الفجر و يقول:
-أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
يتململ في جلسته، فأُدرك أنه تعب من الحديث و يريد أن ينام. أقف مغادرا و أقول:
-تصبح على خير أبّا!
يجيب في وهن:
– تصبح على خير أبّا.
يشدني الانقباض من القلب حتى أحس بالدوران في رأسي. شيء ما في خاطره لا يريد أن بفصح عنه. تعذب طويلا و عاش طويلا. بتقييمي لتاريخ حياته منذ الهربة لكبيرة، فإن أبي اليوم في التسعينات من عمره. العمر الذي يصبح فيه هاجس الموت ملازما للحياة و هي في حدها الأقصى. يقول أبي إن الحياة شبيهة بمحطة سفر، عندما يصل قطارك أو حافلتك لا بد أن تسافر و ترحل. هي محطة للسفر و ليست للإقامة. إصابتُهُ بالمرض كانت جد نادرة. أذكر مرة واحدة أصيب بالتيفويد و أخذته إلى المستشفى حيث قضى أسبوعين في غرفة الإنعاش المركز، تخلى إثرها عن التدخين الذي مارسه منذ أن كان في العشرينات. عند عودته معافى لم يتوقف عن الحديث عن المرضى الذين كانوا يموتون حواليه في غرفة الإنعاش الواسعة. اعتقد أن رؤيته للموتى أصابته بالخوف من الموت و هاجسه. أحيانا كانت عيناه تمتلئان بالدموع و هو يضع يده على خده و يتنهد بصوت مسموع. لا أحد منا كان يعرف، حتى أمي الخارقة الذكاء لم تستطع أن تستشف ما وراء دموع أبي. يشهق ثم يستغفر الله و يغوص في الصمت. حياته اليومية كانت موزعة بين الدكان؛ صندوق العجب في حياتنا، و الصلاة في المسجد و الحديث مع جماعة الدوار، تلك الديناصورات المتخلفة من أزمنة السيبة و القحط، ذوو الذكريات المشعة و المظلمة معا. شاخوا و تخلى عنهم الزمن الذي أصبح يسير بسرعة الضوء و لم يبق لهم إلا السير إلى الوراء حيث كان و كانوا، و تذكر الذي حدث و الذي كان. أسعد لحظاته عي وجود أحد منهم معه. يغافل أمي و يعزم بعضهم. يسألها عما تطبخ، فتدرك ما يريد و تصيح:
-ما تجيب لي الصداع.
فقرر أن يسلك معها سياسة الأمر الواقع و مفاجأتها، فترضخ رغما عنها. تكتشف خداعه، فتخلد للغضب الصامت، فيعلن شماتته ساخرا:
-وابنت امباركة احمد! هذا العشا اللي طيبتي الليلة عمرك ما طيبتيه!!
تهز رأسها في استسلام و تجيب:
-ياه! عمري ما طيبت غير الليلة!!
في ليالي قرانا، يورق كل شيء، النجوم و القمر و الأحزان و أحاديث الشجن. يعشوشب قلب أبي بشجن الأيام الماضية، فأخال قلبه شلالات دموع تنهمر في مصب قلبي الذي يتشرب كل شيء يقطر منه، حزنه العميق الجذور و تنهداته التي تحفر الأخاديد في روحي و روحه. أبشع جرح في حياته، جرح واسع و عريض و هائل كحجم الأرض. ما حكاه لي عم زواج أمه أصاب روحي و قلبي بشروخ و تشققات شبيهة بمخلفات الزلازل. تعانقت إثر ذلك أحزاننا و لم تفترق. حتى و هو يرحل عن الدنيا، أحس أن عماقنا ما زال حيا و أن روحه ما تزال لم تفارق روحي. لخص عذابه و جرحه في كلمات قليلة و هو يرفع يديه إلى السماء و كأنه يصلي للواحد القهار الذي لا مردّ لم قرر.
تزوجت أمي و رحلت. تركتني وحيدا في الدار الكبيرة الشبيهة ببحر هائج لا يقاوم موجه و رحلت. ضعت في ذلك المحيط كما تضيع قطرة الماء، لا سند و لا معين و لا من يرحم أو يحن. قالت جون أن تعانقني:
-ابق عند أخوالك..
و ركبت بغلة سوداء و اختفت وراء خيام و نوايل الدوار. انهرت و دفنت رأسي بين ركبتي و تدفقت دموعي في ليلة باردة أقفل فيها بال الدار الكبيرة دون أن يسأل عني أحد و نمت في الخلاء باردا مقرورا جائعا.
بعد عودة أمي إلى الدار،÷ كشفت لي حقائق لم أكن أعرفها. لم تحكها لي آنذاك، فقد كانت سني السبع أو الثماني لا تخولني إدراك كل ما يدور حولنا و لا استيعاب ما تحكيه عن أسرتها الكبيرة العدد من الرجال و النساء و الأطفال و الخماسين و الخادمات و أبنائهم. سكننا أنا و أمي في دويرية كبيرة عالةي الجدران و السقف ذي الخشب الملون. لم تكن تحكي مع أحد و لا تتعامل مع أحد. تتربص و تتجسس و تتنصت على كل حديث و كا جلسة للنساء أو الرجال. لا تثف في أحد إلا العبد المسمى امبارك و شقيق أمك، علال الذي كان يشتغل في الدار و هو شاب مقبل على العشرين العمر. كانت أمي لا تسمح لي بمغادرة الدويرية إلا برفقته أو رفقة العبد امبارك الشبيه بالفيل في تكوينه الجسمي، و الذي كان ينادي أمي؛ لالا امبراكة. لم تكت تأكل شيئا إلا من يده و تمنعني من قبول أي شيء من أحد و تهمس:
-يقتلوك بالسم.
شيء أكبر مني آنذاك أن أعرف لماذا سأتعرض للتسمم و أنا لم أرتكب شيئا أقتل من أجله. لست إلا طفلا لا حزازات و لا حقد لي مع أحد. العبد امبارك كان حارسنا الليلي و المشرف على خدمتنا نهارا. قضينا عدة شهور شبعت خلالها نوما و أكلا بعد كل الذي تعرضنا له أنا و أمي.
بعد يومين من وصولنا، أحضر لي العبد امبارك كسوتين كل من هما تتشكل من تشامير و جلابية و بلغة صفراء ثم نسجت أمي ثوبا من الصوف خاطه لي خالك علال سلهاما. أصبح عالمي الطفولي آنذاك مجرد أحلام جميلة غطت كوابيس الماضي من جوع و عري و مطاردات و خوف..و لكن حياة أمي المليئة بالريبة و التخوف و التشكك، جعلتني أتعلم الحذر و الهروب من أهل الدار الكبيرة الذين كانوا ينظرون إلي بعيون جامدة دون أن يكلمني أحد منهم و خاصة النساء. كنت أشبع أكلا و نوما و لكنني لم أعرف الضحك الذي يعرفه الأطفال. أمي تعيش في عبوس و تربص و حذر و لم تبتسم قط. لا أذكر أنني رأيت أمي تبتسم و نحن نعيش في تلك الدار الشبيهة بقلعة هائلة مليئة بالضجيج و الصراخ و النواح. صراخ نساء يتعرضن للتعذيب و أطفالهن يصرخون و يبكون. و لم أكن أدري لماذا. لم يكن أحد يسأل أحدا عما يحدث و لم يكن أحد يتحدث عما حدث.
في ليلة باردة، استيقظت على صوت أنين صادر من وراء دويريتنا التي كانت توجد فيها مرابط الخيل. فتحت عيني في الظلام فرأيت باب الدويرية مفتوحا. أصابني الفضول و الخوف معا و أمي لم تكن موجودة بجانبي. وقفت خائفا و تسللت خارجا. العبد امبارك لم يكن أمام الباب كعادته لحراستنا مما لم أعرفه. خطوت بحذر وراء الدويرية متوجها نحو مصدر الأنين الذي كان يأتي من إصطبل الخيول. مددت عنقي من النافذة الصغيرة لأرى ما في الداخل. أصبت بالرعب و كتمت صرخة قد تفضحني مع أمي التي قد تعاقبني بشيء لا أعرفه. كانت هناك امرأة ممددة على كومة من أشواك الطلح الطويلة المسننة و هي مربوطة اليدين و الرجلين إلى أوتاد خشبية طويلة، تئنّ من الألم كلما صدرت عنها حركة. أمي تجلس على ركبتيها و تمد للمرأة كوب طين، تحاول أن تسقيها ماء و تهمس:
-شربي الما، شربي!
و المرأة لا تستطيع أن تفتح فمها المليء بالدم و الرضوض و أمي تحاول إمساء التوازن بين قنديل الزيت و كوب الماء. و لكن المرأة لم تتمكن من فتح فمها. فجأة، صهل أحد الجياد فانتفضت أمي و صبت الماء على القنديل و أطفأته و تسللت هاربة من الإصطبل. من هوب المفاجأة لم أستطع الحراك فاصطدمت بي و صدرت عنها صرخة مكتومة و هي تراني. مدت يدها القاسية الطويلة الأصابع إلى حنجرتي فخنقتني. أحسست بعيني تنطفأن و جسمي بنهار و فقدت الوعي. عندما أفقت، كنت ممددا في الفراش و أمي جالسة تدفن رأسها بين ركبتيها كعادتها و ضوء النهار يملأ الدويرية. استويت جالسا. رفعت رأسها و همست بصوت قلس و هي تهددني بسبّابتها:
-عمرك ما تتبعني!!
أجبتها في رعب:
-عمري آمّي!!
كانت آخر مرة تمد فيها أمي يدها إلى جسمي. شرحت لي بعد ذلك أن خنقها لي كان لمنعي من الصراخ أو إصدار أي صوت قد يسبب لنا كارثة.
قبل مغادرة أمي لي، تعلمت و عرفت الكثير عن الدار و أهلها منها أولا و من خالك علال و العبد امبارك ثانيا. جدتي الملالية هربت و تركتها وحدها. عندما كانت تغادر الدار مع عريسها، أبي، إلى بني موسى قال لها جدي:
-إلى مت واياك ترجعي للدار!
لكن الجوع و القحط كانا أقوى من وصية جدي الذي توفي و أبي في أسبوع واحد و لم أعرف أيًا منهما ! أخوالي كانوا ثلاثة، بنداود و خليفة و حمادي و هذا الأخير كان هو الأكبر و لذلك تولى سلطة الدار الكبيرة بكل ما فيها من النساء و الرجال و الأطفال و الخماسين و الأرض و ما عليها. كانت له سلطة مطلقة على كل ما ينتمي للدار. غضبه الجامح كالإعصار يصيب كل شيء و كل من هب و دبّ؛ أولاده و زوجاته و أخواه و زوجاتهما و أولادهما و الخماسين و أهلهم..لم يجع و لم يتألم و لم يهن و لم يتشرد و لذلك فقد الإحساس بكل شيء إلا ما يريد و ما يقرر.
*************************************
يتبع…الحلقة23

عدد القراء: 12 | قراء اليوم: 1

عن بريد البوابة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

طقوس الزواج في قبائل أيت مرغاد … تراث يحتضر وقيم تقاوم

يعتبر الزواج رباطا مقدّسا يجمع بين الرجل والمرأة في جميع الثقافات وجميع الحضارات، في جميع ...