بوابة إقليم الفقيه بن صالح - الجهل المضاعف

لا يوجد كلمات دلالية لهذا الموضوع

0
الرئيسية | الإفتتاحية | الجهل المضاعف

الجهل المضاعف

الجهل المضاعف

إن الذي ينتظر موت إنسان ليأخذ حذاءه سيمشي حافيا طول العمل" مثل برتغالي

عام 1975، قاد جزء كبير من قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مسلسل القطيعة مع ما سمي بالقيادة المزدوجة بين الداخل والخارج، والنزوعات "الانقلابية المغامرة" وانخرط في مسلسل الانتقال الديمقراطي من خلال المؤتمر الاستثنائي الذي أعلن الميلاد الرسمي للاتحاد الاشتراكي بعد مخاض قرارات يوليوز 1972.

كان المرحوم بن جلون يعتبر هذا التحول بمثابة نهاية "جدلية الفشل"، أي فشل النظام في القضاء على حزب القوات الشعبية، وفشل هذا الأخير في قلب الملك الحسن الثاني وتغيير النظام السياسي، لقد كان اعترافا مشتركا بين طرفين في الصراع حول السلطة.. بعد ثلاثة عقود من هذا الحدث، قَدَّم لي مسؤول وازن في الدولة، لازال حياً يُرزق، تفسيرا لهذا التحول بين طرفي الصراع بصيغة مغايرة، سمعها - على حد روايته – على لسان الملك الراحل؛ بما يمكن أن نسميه بـ "جدلية الجهل".. مضمون تأويل الحسن الثاني لهذا التحول في العلاقة بين الحكم وحزب الراحل بوعبيد، هو أن ما حفظ لهذا البلد الاستقرار هو جهل طرفي الصراع بالقوة الحقيقية لبعضهما البعض، فالدولة كانت تجهل القوة الحقيقية لحزب القوات الشعبية الذي شكل بُعْبعاً لمرحلة سياسية طويلة، وكانت الأجهزة السرية ترفع للملك تقارير غير حقيقية عن القوة المخيفة لحزب الراحل بوعبيد، هذا الجهل بحقيقة حزب الوردة والحقيقة أولا التي تحولت إلى الحقيبة أولا، هي التي منعت الدكتاتورية الدموية بالمغرب، إذ لو وقف النظام على الحجم الحقيقي للمعارضة لكان قد ابتلعها بقوة الحديد والنار، وهو ما كان سيضيع على المغرب أشياء كثيرة في ظل حكم استبدادي.. كما أن حزب القوات الشعبية كان يتصور المخزن على شكل كائن خرافي ممتد بالطول والعرض في شرايين المجتمع وجاثم على أنفاسه.. من منا لم يعتبر أيام المرحلة الطلابية والحماس الطفولي الزائد عن الحاجة، أن كل من يقرأ جريدة في المقهى ويلبس نظارات هو من رجال المخابرات؟! في حين أن الدولة لم تكن تملك القوة لا المادية ولا البشرية حتى لحماية مصالحها الاستراتيجية، فبالأحرى أن توفر جاسوسا لكل مناضل حزبي، هذه الصورة المضخمة عن قوة جهاز الدولة هي التي حَمَت المغرب من سياسة الحزب الواحد ودكتاتوريات أوربا الشرقية المصبوغة بلون الدم، و من الأنظمة العسكراتية كما في المشرق العربي وأمريكا اللاتينية، زمن جمهوريات الموز من "بينوشي" إلى "فيديل كاسترو" الذي وأد أحلام الطبيب الحاكم "تشي غيفارا" عقب مرور شهر عسل الثورة النبيلة.

لم يعد مغرب اليوم يتسع للصراع حول شرعية السلطة السياسية بنفس المنطق التقليدي لإسقاطات ما بعد الاستقلال.. وسواء آمنا بتفسير الشهيد بن جلون لما آل إليه هذا الصراع في 1975 من خلال جدلية الفشل، أو آمنا بتفسير الملك الراحل الحسن الثاني، حسب رواية الشخصية القوية في مربع القرار الملكي، من خلال جدلية الجهل.. فإن ما يحدث اليوم.. يؤلمنا جدا لكونه يمثل نوعا من الجهل المضاعف، جهل الأحزاب السياسية بقوة وظيفتها الحقيقية في المشهد السياسي الآن وهنا، وجهل الفاعلين المركزيين في مربع القرار بقيمة وجود أحزاب قوية، عصرية وحداثية لمساندة الدولة، مهما كان موقفها السياسي مع أو ضد، ومساعدتها على تحقيق أحلامنا في الانتقال الديمقراطي.

لا معنى اليوم لهذا الخطاب التيئيسي نحو الأحزاب.. لكن في نفس السياق لا معنى لكل هذه الانتهازية المستشرية بشكل سرطاني في أجسادنا الحزبية.

فلنصُن أعمال العقلاء من كل هذا العبث المحيط بنا حد القرف.. ودعونا من البحث عن ملاعق كبيرة للأكل مع الشيطان، سواء كان في المطبخ الحزبي أو في صحن دواليب الدولة.

عدد القراء : 1634 | قراء اليوم : 2

مجموع المشاهدات: 1634 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة: